إهانة الوفد العربي في واشنطن.. ثمن منطقي للانبطاح

الوفد العربي الإسلامي أثناء لقاءه وزير الخارجية الأمريكي في واشنطن

نون- تعرض الوفد الوزاري العربي والإسلامي الذي زار واشنطن قبل يومين لبحث وقف حرب الإبادة التي تشنها قوات الاحتلال في قطاع غزة منذ أكثر من شهرين لحزمة من المواقف الحرجة والمهينة التي تكشف مدى تجاهل الإدارة الأمريكية للصوت العربي الرسمي الذي غاب تمامًا عن قائمة أولويات صناع القرار الأمريكي والغربي بصفة عامة.

وضم الوفد المشكل بقرار من القمة العربية الإسلامية، التي عقدت في العاصمة السعودية الرياض، في 11 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، ونظيره المصري سامح شكري، ورئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن، ووزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، والفلسطيني رياض المالكي، ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان.

وأجرى الوفد سلسلة من اللقاءات مع مسئولين أمريكيين وغربيين تزامنًا مع جلسة مجلس الأمن الدولي التي عقدت الجمعة 8/12/2023، لمناقشة مشروع  قرار يطالب بوقف إطلاق النار في غزة، والذي فشل المجلس في تمريره بسبب استخدام أمريكا حق النقض “الفيتو” ضد القرار.

وكشفت الزيارة بما فيها من تفاصيل مذلة عن تهميش صانع القرار الأمريكي للموقف العربي الذي فقد بوصلته، ومن ثم تأثيره وحضوره، ليدفع ثمن انبطاحه الفاضح وخنوعه للضغوط الأمريكية الإسرائيلية، مزيدًا من المهانة والتقزيم والتبعية وفقدان السيادة والاستقلالية، في الوقت الذي تقدم فيه المقاومة الفلسطينية ملحمة بطولية غير مسبوقة، وتسطر بدماء مقاتليها وأبناء الشعب الفلسطيني صفحات ناصعة البياض في معاني الكرامة والعزة والإباء.

استهلت الولايات المتحدة إهانة الوفد العربي الإسلامي بمنع وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي، عضو مجموعة الاتصال التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية، من الحديث للإعلام أو الإدلاء بأي تصريح، أو حتى الرد على تساؤلات الصحفيين.

ففي المؤتمر الصحفي الذي عقدته المجموعة في فندق “فورسيزون” في واشنطن، وجهت الصحفية بشبكة CBS الأميركية، مارجريت برينان، سؤالا لوزير الخارجية الفلسطيني الذي لم يتحدث مطلقا طول المؤتمر، لكنه فوجئت بوزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان يرد نيابة عنه قائلا :  “السيد المالكي، لا يستطيع الإجابة على سؤالك، فالحكومة الأمريكية تفرض قيودا عليه، ولا يستطيع التواصل مع الصحافة”، منوهًا أن واشنطن وضعت ضوابط وتقييدات على تأشيرة المالكي تمنعه من الحديث إلى الصحافة.

ورغم تعارض الموقف الأمريكي المهين مع البند 2 من المادة 105 من ميثاق الأمم المتحدة، الذي ينص على أن “ممثلي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة ومسؤولي المنظمة، يتمتعون بالامتيازات والحصانة الضرورية لممارسة أعمالهم بشكل مستقل، فيما يتصل بالمنظمة”، ويعتبر دخول أراضي أي دولة عضو في الأمم المتحدة لحضور أي فاعلية تابعة للمنظمة امتياز ضروري يتطلب الحصول على تأشيرة دخول دون فرض أي قيود، لكن الإدارة الأمريكية لم تلق بالا لهذا البند، كما أن الوفد العربي لم يبد أي امتعاض أو اعتراض على تلك الإهانة ولم يتخذ موقفًا بشأنها.

وتتواصل الإهانة بتأجيل وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن اجتماعه مع الوفد العربي الإسلامي لما بعد الانتهاء من جلسة مجلس الأمن لبحث مشروع قرار وقف إطلاق النار، واستخدام واشنطن الفيتو لإجهاضه،  وذلك حتى يصبح أمرًا واقعًا، ولا يمكن مناقشته مع الوفد الذي جاء خصيصًا لأجل مناقشة هذا الطلب، أو على الأقل يتم تأجيله حتى حين.

وينطوي هذا التأجيل على تجاهل فاضح للإدارة الأمريكية للمطالب العربية، وبدلا من رفض هذا السلوك والاعتراض عليه، لما يحمله من رسائل ودلالات تستدعي الانسحاب، عُقد اللقاء واقتصر على بيانات عامة وتصريحات فضفاضة تتركز حول مساعي توصيل المساعدات الإنسانية لقطاع غزة دون الخوض في مسألة وقف الحرب، وهو ما تريده واشنطن.

هذا الموقف يتشابه بشكل كبير مع ما قام به الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب حين قرر نقل السفارة الأمريكية إلى القدس في 2020، فبحسب ما ذكر الإعلامي حافظ المرازي على حسابه على “إكس” فإن ترامب “طلب من مساعديه عدم توصيل اي مكالمة من زعيم عربي او مسلم ليومين بعد اتخاذ القرار. وحين عاد إليهم ليسأل من اتصلوا به ما الذي كان جلالتكم وفخامتكم تتصلون بي من اجله، قالوا أشياء أخرى..  إلا القدس، فقد قُضي الأمر”.

التدرج من الانهزامية للاستسلام

ومنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي وتواصل المواقف الرسمية العربية انهزاميتها يومًا تلو الأخر، منحدرة من منطقة الحياد الرمادية في الأيام الأولى للحرب إلى التمادي بشكل كبير مع الرواية الإسرائيلية في قراءة وتقييم الأحداث ومن ثم صناعة التوجهات وردود الفعل.

وبعيدًا عن الإمارات التي كشفت مبكرًا عن موقفها المتخاذل والمناوئ للمقاومة الفلسطينية حين وصفت عملية الطوفان بـ “البربرية والوحشية”، جاءت معظم المواقف العربية الأولى محايدة، محاولة مسك العصا من المنتصف، محملة حالة الاحتقان وانسداد الأفق السياسي والانتهاكات الإسرائيلية التي مارسها الاحتلال بحق الفلسطينيين خلال الآونة الأخيرة مسئولية ما وصل إليه الوضع من اشتعال.

لكن سرعان ما سقطت الأقنعة، وتحولت المواقف بشكل كبير، صمت مخزي، وخذلان فاضح، وتماهي مع السردية الصهيونية، وباتت المقاومة في مرمى الانتقادات الرسمية العربية، وتبنى الإعلام العربي خطابا مشيطنًا لحماس وبقية الفصائل، محملا إياها وبما وصفوه بـ “التهور” مسئولية تفاقم الوضع في غزة في محاولة لتبرير الإجرام الإسرائيلي كـ “حق” للدفاع عن النفس كما تصفه تل أبيب وحلفاؤها من المعسكر الغربي.

ووثقت المؤشرات وردود الفعل الرسمية على مدار شهرين كاملين من الحرب حالة الخذلان والانبطاح التي تغلف الموقف العربي، بل وصل الأمر إلى خروج تسريبات تشير إلى رغبة بعض الأنظمة في القضاء على حماس والإطاحة بها من حكم قطاع غزة، وهو ما كشفه عدد من قادة الحركة وأكد عليه الصحفي الأمريكي الإسرائيلي باراك رافيد الذي يتمتع بعلاقات جيدة مع الحكومتين الإسرائيلية والأمريكية.

رافيد وعلى حسابه على منصة “إكس” وردًا على مقابلة وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان مع قناة PBS الأمريكية العامة التي نفى فيها ما يتردد بشأن تبني بلاده خطابا أمام العرب وأخر مع الوسطاء الغربيين، حيث قال “لقد أبلغني أكثر من مسئول أمريكي في الأسابيع الأخيرة بأن السعوديين يقولون لهم من وراء الأبواب إنهم يريدون إسرائيل أن تُنهي على حماس. أما المؤتمرات الصحفية التي يعقدها السعوديون بواشنطن وجولاتهم حوّل العالم فليست إلا ألاعيب للاستهلاك المحلي” على حد قوله.

هذا الموقف تؤكده الحملات الإعلامية الممنهجة في وسائل الإعلام السعودية وعلى رأسها “العربية ” و “إم بي سي” بجانب كبار الشخصيات الإعلامية السعودية على منصات التواصل الاجتماعي، حيث خطاب شيطنة حماس وتشويه رموزها وقاداتها، وتبني السردية الإسرائيلية، وهو الخطاب الذي لا يمكن أن يتم تصديره أو الترويج له دون موافقة مسبقة – ضمنية أو مباشرة-  من السلطات الحاكمة في المملكة.

تلك الرغبة في القضاء على حماس وبقية الفصائل الفلسطينية تتملك بعض الأنظمة الأخرى في مصر والإمارات كما يردد البعض، كذلك السلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس أبو مازن، والذي أبدى استعداده لحكم القطاع بعد انتهاء الحرب، وهو المطلب ذاته الذي أعرب عنه وزير الخارجية المصرية حين أشار إلى ضرورة أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي الوحيد للفلسطينيين وينبغي أن يكون لها دور في حكم القطاع مستقبلا.

التحول في الخطاب الرسمي العربي من الحياد إزاء المقاومة وعملية طوفان الأقصى إلى شيطنة الفصائل، ومن المطالبة بوقف إطلاق النار إلى بحث مستقبل القطاع ما بعد حماس، ومن الدعم لحق الشعب الفلسطيني في المقاومة ردًا على الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة إلى لوم المقاومة وتحميلها مسئولية ما حدث، كل هذا ألقى بظلاله المهينة على نظرة دولة الاحتلال وحلفاءها للعرب.

ومما زاد من تلك النظرة المهينة المهمشة ردود الفعل الباهتة من الأنظمة العربية، فرغم الانتهاكات الوحشية وأعداد الضحايا الضخمة وتدمير أكثر من ثلثي القطاع وتهديد الأمن القومي العربي، وامتهان الاحتلال لسيادة الدول المجاورة لفلسطين، مصر والأردن تحديدًا، إلا أن أحدًا لم يتخذ قرارًا قويًا يحرك المياه الراكدة في مستنقع الجمود العربي.

فلم تهدد القاهرة مثلا بقطع العلاقات وتجميد اتفاقية كامب ديفيد، رغم أن أمنها القومي بات على المحك، وسيادتها على رفح أنتهكت حين قصف الاحتلال المعبر من الناحية المصرية وأوقع إصابات في صفوف المجندين المصريين، كذلك عمًان التي لم تقترب من اتفاقية وادي عربة رغم العربدة الإسرائيلية على حدودها، حتى السعودية وبقية دول الخليج لم تلوح بسلاح النفط أو على الأقل وقف مسار التطبيع، حيث اكتفى الكل بتصريحات الشجب والإدانة، وتوسل وقف إطلاق النار على أعتاب واشنطن وتل أبيب، مما زاد من دونية النظرة الغربية للثقل العربي وحضوره.

ثمن منطقي للانبطاح

لا يمكن قراءة هذا الإذلال بمعزل عن الانبطاح الفاضح للأنظمة العربية منذ بداية الحرب على غزة، فالمواقف الرسمية هي الترمومتر الذي يحدد مسار وقوة وطبيعة السياسة الأمريكية والغربية عمومًا تجاه الدول العربية، تتناسب طرديًا وعكسيًا مع قوة تلك المواقف.

في مايو/أيار 2021 تبنت القاهرة موقفا حازمًا إلى حد ما تجاه الاعتداء على غزة في ذلك الوقت، وأوفدت رئيس مخابراتها عباس كامل لزيارة القطاع تحت القصف الإسرائيلي والاجتماع مع يحيى السنوار، الأمر الذي دفع كل من واشنطن وتل أبيب لتثبيت الهدنة حينها، وهو ما تم بالفعل.

وفي 2022 حين تبنت السعودية موقفا مناوئًا للمزاج الأمريكي وأصرت على قرار خفض إنتاج النفط داخل منظومة (أوبك +)، أزعج هذا الأمر الإدارة الأمريكية بشكل كبير، ودفع جو بايدن آنذاك لزيارة المملكة في يوليو/تمًوز من نفس العام لخطب ود الرياض، رغم هجومه الشديد على نظامها الحاكم قبل ذلك.

حين استشعر الأمريكان ومن خلفهم من أنصارهم وداعميهم أن للعرب موقفا حازمًا – ولو كان نسبيًا – كما في 2021 و 2022، كان الانصياع والاستماع لهم خيارًا لا مفر منه في ضوء لغة المصالح التي يتحدث بها هذا المعسكر، لكن سرعان ما تغير الوضع أثناء الحرب الدائرة الآن على غزة، فحين غابت المواقف غاب معها التقدير والاهتمام والاستماع ومراعاة أي حسابات أخرى، لتدفع الحكومات العربية ثمن انبطاحها خذلانا ومهانة تسقط أخر ما تبقى لها من ورق التوت الوهمية.

المقالات في هذا الموقع هي على عاتق كتبها