السيسي وبن سلمان يراهنان على اسرائيل في مشروعات عملاقة لتوطين الفلسطينيين و نيوم” البذرة الأولى لصفقة القرن..

“مصر تتعهد بـ ألف كيلومتر في جنوب سيناء لمشروع مدينة نيوم”.. بهذا الخبر المقتضب طالعتنا وكالة رويترز للأنباء صبيحة يوم الإثنين 5 مارس/آذار 2018.
الخبر الذي بدا غامضاً إلى حد كبير، أثار مخاوف الكثيرين من المتشككين في نوايا السلطات المصرية حيال سيناء وأهلها، ليصبح السؤال ما حقيقة ما يجري في سيناء الآن؟ وما هو مشروع نيوم هذا؟ وهل حقاً نيوم هي التطبيق العملي لفكرة “صفقة القرن”؟
على الجانب القانوني، فإن الكلمة التي وردت في بيان شبكة رويترز “تعهد” غير واضحة الدلالة. وقال محمد الأنصاري المحامي بالنقض “لا يوجد شيء اسمه تعهد الرئيس، هذا غير دستوري، فالرئيس لا يملك حق التعهد غير المنصوص عليه”.
لكنه استدرك قائلاً “لكن ذلك ليس عقبة فحل تلك الأمور يتم بقرارت إدارية بسيطة، متوافقة مع قانون الاستثمار المصري”.
ما هو مشروع نيوم؟
نظرة على الموقع الرسمي للمشروع، توضح أننا أمام مشروع ضخم بل، يمكنه وصفه بأرض الأحلام.

فـ “نيوم” أو “new mamlaka” باللاتينية أو المملكة الجديدة، هي عباره عن منطقة اقتصادية “ذكية” واسعة، تشمل أجزاء من 3 بلدان، السعودية ومصر والأردن.
المشروع الحلم سيتحرك في 9 محاور اقتصادية متخصصة تعنى بمستقبل كل من الطاقة والمياه، والتنقل، والتقنيات الحيوية، والغذاء، والعلوم التقنية والرقمية، والتصنيع المتطور، والإعلام والإنتاج الإعلامي، والترفيه، والمعيشة.
سيكون هناك بالتالي، مصانع لإنتاج غذاء غير تقليدي، ومعامل، واستديوهات عالمية للتصوير، ومنتجعات سياحية، موانئ ضخمة، ومصانع إنتاج طاقة متجددة، وغيرها. هي “مدينة أحلام” إذن بالمعنى الحرفي.
يقع المشروع الحلم بين ثلاث دول، بمساحة 26 ألف كم مربع شمال غرب السعودية بإطلالة واسعة على البحر الأحمر وخليج العقبة، و1000 كم مربع في جنوب سيناء المصرية، تبدأ من “جسر سلمان” المزمع إقامته، وتمتد حتى مدينة شرم الشيخ.
ويتمدد المشروع في الأردن ليشمل أراضي العقبة المحاذية للحدود السعودية، وتكون مدينة العقبة نفسها جزءاً من المشروع، وفقاً لتصريحات ناصر الشريدة رئيس سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة.
وستصل تكلفة استثمارات المشروع 500 مليار دولار.
ما هو مشروع نيوم
جاء الاتفاق السعودي المصري لتطوير أكثر من ألف كيلومتر مربع من الأراضي المطلة على البحر الأحمر من الجانب المصري، ضمن مشروع “نيوم”، كأول خطوة عملية في بدء تنفيذ المشروع الضخم، الذي أطلقته السعودية.
في أكتوبر/تشرين الأول 2017، أعلن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، عن إطلاق مشروع استثماري ضخم بمسمى “نيوم”، يقام على أراضٍ من السعودية والأردن ومصر، باستثمارات في قطاعات بينها الطاقة والنقل والإعلام تقدر بـ500 مليار دولار.
ومشروع “نيوم” هو منطقة خاصة، سيتم بناؤها لتصبح وجهة حيوية جديدة، وتقع بين المملكة ومصر والأردن.
خلال زيارة ولي العهد السعودي للقاهرة، الأحد الماضي، التي استمرت 3 أيام، وقَّع اتفاقية مع مصر لتطوير أكثر من ألف كيلومتر مربع من الأراضي جنوب سيناء، لتكون ضمن مشروع “نيوم”.
وتقع نيوم شمال غربي المملكة، على مساحة 26.5 ألف كيلومتر مربع، وتطل من الشمال والغرب على البحر الأحمر وخليج العقبة الأردني بطول 468 كيلومتراً، ويحيط بها من الشرق جبال بارتفاع 2500 متر.
والقطاعات التي يتألف منها مشروع نيوم، هي: مستقبل الطاقة والمياه، ومستقبل التنقل، ومستقبل التقنيات الحيوية، ومستقبل الغذاء، ومستقبل العلوم التقنية والرقمية، ومستقبل التصنيع المتطور، ومستقبل الإعلام والإنتاج الإعلامي، ومستقبل الترفيه، ومستقبل المعيشة.

رواج سياحي
يتوقع أن يسهم المشروع في زيادة أعداد السياح لمنطقة الشرق الأوسط، إذ تعتزم السعودية إنشاء 7 نقاط جذب بحرية سياحية في “نيوم”، ما بين مدن ومشاريع سياحية تتضمن إنشاء 50 منتجعاً على البحر الأحمر.
في مقابل ذلك، ستركز مصر على نقطتي جذب هما شرم الشيخ والغردقة، والأردن ستركز الأردن على تطوير العقبة ضمن استثمارات أردنية سعودية.
وبحسب بيانات منظمة السياحة العالمية، فقد استقبلت دول الشرق الأوسط نحو 58 مليون سائح خلال 2017، بنمو 5% على أساس سنوي.
إسرائيل
لم تتأخر الشركات الإسرائيلية في إبداء رغبتها بموطئ قدم في مشروع المدينة الذكية السعودية “نيوم”، وذلك بعد أيام قليلة من الإعلان عنها.
صحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية الناطقة بالإنكليزية، قالت العام الماضي، إنها علمت من شركات عاملة في السوق المحلية، عن محادثات بينها وبين صندوق الاستثمارات العامة السعودية، للدخول في المشروع.
لكن جغرافية المكان الذي ستقام عليه المدينة الذكية التي تتجاوز مساحتها 26 ألف كم مربع، تعد نقطة حيوية تجارية للدول العربية الثلاث (السعودية ومصر والأردن)، ولإسرائيل.
وأوردت “جيروزاليم بوست” على لسان “إيريل مارغليت” وهو رجل أعمال إسرائيلي بارز، وجود فرص عمل للشركات الإسرائيلية في المشروع.
وأضاف مارغليت الذي زار دولاً خليجية مؤخراً: “ما لا يفهمه القادة السياسيون أن الأمور لن تحدث (تطبيع العلاقات)، ما لم تكن هناك فرص عمل اقتصادية مشتركة”.
“حقيقة، إن الأمير محمد بن سلمان جاء بمشروع للتعاون الإقليمي.. إنه يعطي دعوة للإسرائيليين للتحدث باسم التعاون الاقتصادي الإقليمي من خلال مفهوم الابتكار” يقول مارغليت.
تنافسية الموانئ
وسيمثل المشروع فرصةً لتأهيل الموانئ العربية لاستقبال السياح لفترة أطول، والنظر إلى الموقع الجغرافي الهام للمنطقة، بما يسهم في استقطاب السياح فترة أطول من فصل الشتاء، الذي يقتصر فيه التنافس حالياً بين وجهات آسيا والولايات المتحدة وأميركا الجنوبية.
وبحسب البيانات الأولية، سيتحول البحر الأحمر وخليج العقبة إلى نقطة استقطاب تعيد تشكيل خريطة السياحة العالمية، بنقاط جذب لا تبعد عن بعضها أكثر من 3 ساعات.
التمويل
ولا يزال المشروع يواجه في الوقت الراهن شكوكاً وجدلاً واسعين.
حسب المعطيات الاقتصادية لم يتضح بعد الجانب المهم في المشروع، وهو التمويل، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية التي تمرُّ بها المملكة، مع استمرار أسعار النفط المتدنية.
وحسب المعلن، ستوفر السعودية الجزءَ الأكبر من التمويل، المقدر بنحو 500 مليار دولار، من خلال صندوق الاستثمارات العامة، إضافة إلى تمويلات من مستثمرين محليين وعالميين.
وخلال الأسبوع الجاري، اتَّفقت مصر والمملكة على تأسيس صندوق مشترك مناصفة، تزيد قيمته عن 10 مليارات دولار، على أن تكون حصة المصريين من خلال الأراضي المؤجرة على المدى الطويل، والتي ستكون الجانب المصري من مشروع “نيوم”.
وتتوقع السعودية أن تصل مساهمة المشروع في الناتج المحلي الإجمالي نحو 100 مليار دولار بحلول 2030.
فيما أكدت الرئاسة المصرية أن مشروعي إقليم قناة السويس ونيوم السعودي سيُحولان البلدين إلى قبلة للتجارة العالمية.
وبحسب تصريحات سابقة توقَّع ولي العهد السعودي، افتتاح مشروع “نيوم”، بحلول 2025، فيما ستكون هناك استثمارات محدودة مطلع 2020.
كما أكد أن شركات “أمازون” و”علي بابا” و”إيرباص” تشارك بالفعل في المحادثات الخاصة بالاستثمار في المشروع.
حتى هذه النقطة وجميع هذه المعلومات معلن عنها بالفعل، لكن ماذا عما لم يتم الإعلان عنه؟

ما وراء “نيوم”
دبلوماسي غربي مطلع على الملف تحدث إلى “هاف بوست عربي”، قائلاً “هذا المشروع بعيداً عن الجانب الاقتصادي، رغم أهميته، إلا أن الشق السياسي له لا يقل أهمية”.
وأضاف إن زيارة صهر الرئيس الأميركي ترامب ومستشاره جاريد كوشنر، السرية للمملكة العربية السعودية في أكتوبر/تشرين الأول 2017، والتي كشفت عنها قناة CNN، لم تكن في حقيقة الأمر إلا لوضع اللمسات النهائية لهذا المشروع الاقتصادي – السياسي، مع كل من ولي العهد السعودي بن سلمان والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.
وأوضح أن الفكرة باختصار هي أن “نيوم” ستكون نهاية الأزمة الإقليمية التاريخية بين العرب واسرائيل، إذ سيبدأ المشروع من جنوب سيناء في مصر أولاً، ليمتد شمالاً لتشمل شبة جزيرة سيناء كاملة، وبذلك يكون ذلك المثلث العملاق الممتد في مصر والأردن والسعودية بمثابة “منطقة اقتصادية حرة”.

وقال “سيسمح هذا بهدوء وبساطة للفلسطينين بالتحرك والعمل، بل والعيش في الجزء المصري. وقد اتفق على أن تتولى إسرائيل مسؤولية الشق العلمي والتقني في المشروع”.

الدبلوماسي وصف هذا المشروع بأنه “صفقة رابحة للجميع”، من جانب إسرائيل ستنهى عزلتها وتصبح معترفاً بها إقليمياً من جيرانها، وأزمة الفلسطينيين ستحل وسيوفر لهم فرص عمل جديدة بالمشروع. “نفس الشيء للجانب المصري والأردني: آمال وفيرة وفرص عمل جيدة. حقيقة أراه مشروعاً رابحاً”.
وعلق الدبلوماسي قبل أن ينهي حديثه، قائلاً “أما الحكام الأربعة فهم مناسبون جداً وتواقون لانتهاز الفرصة، بن سلمان والسيسي كلاهما يريد دعم الغرب السياسي للحفاظ على سلطتهم، ونتنياهو يواجه أزمات لا تخفى على أحد، وترامب تاجر ماهر، سيحقق أرباحاً مالية غير مباشرة عبر الشركات الأميركية التي ستأخذ نصيباً جيداً من المشروع”.
وأضاف أن المشروع سيمثل بالطبع مجداً غير مسبوق لترامب، إذا نجح في تصفية الأزمة الفلسطينية الإسرائيلية بسلاسة، “ألم أقل لك أراه مشروعاً جيداً”.

وقال “حتى الآن الجميع متناغم، وقد نفذت مصر الشق الأول فعلياً بتسليمها جزيرتي تيران وصنافير للمملكة لتكون في قلب المشروع، وحالياً يقوم الجيش المصري بتطهير سيناء من الإرهاب تمهيداً للبدء في المشروع، ومن جانبها بدأت المملكة في توفير السيولة الواجبة للمشروع بإنشاء صندوق مشترك قيمته 10 مليارات دولار مع مصر تدخل فيه السعودية بالمال ومصر بحصتها في الأرض”.

الأردن هي المعضلة
لكن هناك مشكلة متبقية في هذا الحلم الكبير، “لا يعكر صفو الماء حتى الآن إلا الملك عبدالله ملك الأردن”، على حد تعبيره.
هناك أزمتان بين عمان والرياض، الأولى سياسية بالأساس، وهي إشكالية السيادة. وفقاً للمقترح سيكون لهذا المشروع وضعية خاصة خارج القوانين المعتادة، “متجاوزة ما هو شرعي أو قانوني”، على حد تعبيره.
هذا بالقطع مفهوم في الجانب السعودي، فالأمير الشاب يعتزم إنشاء مدينة عالمية تنافس دبي تقدماً وانفتاحاً، وهو ما يستحيل حدوثه في ظل الضوابط الشرعية الحاكمة للمملكة، فكان الحل هو إنشاء تلك الوضعية “القانونية” الخاصة جداً.

لكن على الجانب الآخر هذا يعني أن حكومتي القاهرة وعمان لن يكون لهما فعلياً سيطرة على تلك الأرض، فالمتحكم والمسيطر سيكون الشركة المالكة وقوانينها الجديدة. “وهو ما تقبلته القاهرة بسهولة ورفضته عمان”، على حد تعبير المصدر الدبلوماسي.
فالملك عبدالله لا يريد أن تمر البلاد تحت حكمه بـ”أيلول أسود جديد”، وتجرى الآن تفاهمات مع الجانب الأردني للوصول لنقطة وسط.
“العلاقات الأردنية السعودية متوترة لسبب إضافي، سبب شخصي، وهو أمر معتاد بين الحكام العرب”، يقولها الدبلوماسي ضاحكاً.
وشرح هذا الأمر فقال إن محمد بن سلمان “يغير” من عبدالله، “هذة حقيقة مدهشة، فعبدلله ابن الثقافة الغربية بالأساس، يعرف كيف يتحدث مع الغرب – لا أعني فقط اللغة بل الثقافة – أضف إلى ذلك زوجته رانيا الوجه المقبول من الجميع في الولايات المتحدة”.
وأوضح أن تلك الحساسية جعلت بن سلمان يضيق بالملك الهاشمي، فتوقفت تقريباً المعونات التي كانت تضخ لعمان على عكس القاهرة التي تسلمت الكثير، و”مؤخراً وجه عبدالله ضربة لبن سلمان بتوجهه لتركيا والوقوف معها في ذات الخندق إزاء القرار الأميركي بنقل السفارة الأميركية إلى القدس، وهو ما حذره منه بن سلمان لكن الهاشمي رفض وأصر على السفر”.
محمود الصايغ الاقتصادي الأردني يختلف مع الدبلوماسي الغربي في قراءة المشهد، “لا أعرف شيئاً عن تلك الخلفيات السياسية وربطها بما عرف باسم صفقة القرن، لكن ما أعرفه جيداً أن هذا المشروع العملاق أزمته الحقيقية اقتصادية، ليست في عمان بل مصر والسعودية.
وأضاف أن هذا المشروع يلزمه مليارات “لا أعتقد أن الدولة السعودية بوضعها الحالي قادرة على ضخها”، إضافة أن الشق الأهم هنا ليس ما سيضخ بل ما سيجلب عبر استثمارات أجنبية، وهنا مكمن الأزمة.

وقال “لا أتصور أن كيانات ضخمة ستغامر بضخ أموالها في بلد كالسعودية تصادر أموال كبار المستثمرين قصرا، أو في مصر بما تمر به من تقلبات سياسية عنيفة وحملة قمع موسعة، تجعلها كالقابع على صندوق بارود لا يعرف أحد متى سينفجر”.
وأشار أيضاً إلى ما أسماه “الترهل الإداري والفساد البيروقراطي في مصر. أراه مشروعاً كبيراً، معوقاته كبيرة أيضاً، أخشى أن يتحول إلى أحد الملاذات الآمنة للتهرب الضريبي”.

من يدير هذا الكيان؟
وفقاً لما هو مذكور على موقع مؤسسة “مشاريع السعودية”، والتي تعرف نفسها بأنها المنصة الوحيدة المتخصصة في نشر أخبار ومعلومات المشاريع السعودية والبرامج التنموية في كافة القطاعات، فإن كلاوس كلاينفيلد الرئيس السابق لشركة سيمنس سيتولى إدارة المشروع.
ولكلاينفيلد تاريخ طويل من النجاحات لا يمكن إغفالها سواء في مجال الصناعة والاتصالات.

وفي مؤتمر “مبادرة مستقبل الاستثمار” في السعودية حضر كثير من رجال المال والبنوك، ومنهم من اعتلى المنصة بجوار بن سلمان مثل ماسايوشي سون، رئيس مجموعة سوفت بنك اليابان، الذي أحرج ولي العهد حين قال إن NEOM تعني أننا “سنصنع مكة جديدة”، قبل أن يتدارك الأمر بن سلمان قائلاً هو لا يقصد سوى أنها ستكون نقاط جذب، وحرف الـ M هنا تعني المملكة وليس مكة.
لكن السؤال المحير حتى الآن هو “ما هو بيت الخبرة الذي سيتولى التخطيط والتنفيذ هنا؟”.
حتى الآن ذلك خبر غير معلن، والبعض يشير إلى أن إخفاءه لتجنب الإشاره لأي اسم إسرائيلي قد يسبب إحراجاً للجميع.
حتى الآن لا يمكن الجزم بنوايا بن سلمان والسيسي حيال الفلسطينيين، وهل فعلاً ستتوسع نيوم لتبلع سيناء كلها وتجعل منها منطقة دولية تتسع لأهل غزة، وترى ماذا سيكون رد فعل الشارع المصري حينها؟

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس عن موقع رصد اخبار العالم

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن