“لخبطة بيروقراطية”.. حكاية واشنطن مع “الإرهابي والزعيم العظيم”! ليس هناك خصم وصديق في غربلة المصالح

واجهت واشنطن في تعاملها مع الزعيم الجنوب إفريقي نيلسون مانديلا وزملائه ما وصف بـ”لخبطة بيروقراطية”، مرد ذلك أن مانديلا وآخرين كانوا في قائمة الإرهاب الأمريكية حتى عام 2008!

الأمريكيون احتفظوا طويلا بمانديلا وقادة آخرين في حزب المؤتمر الوطني الذي قاد لعقود طويلة النضال ضد نظام الفصل العنصري المدعوم أمريكيا وغربيا في جنوب إفريقيا، في قائمة مراقبة الإرهاب، حتى أنه بقي يصنف إرهابيا في وزارة الخارجية إلى عام 2008، أي أنه ظل كذلك حتى بعد مرور 14 عاما على انتخاب نيلسون مانديلا رئيسا لجنوب إفريقيا، وعقب تسع سنوات من تخليه عن السلطة في عام 1999. بقي يقودها لمدة خمس سنوات وشهر وخمسة أيام بالتمام.

بعد أن تهالك نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، وأصبحت أيامه معدودة، ركبت واشنطن الموجه وسارع الرئيسان جيمي كارتر ورونالد ريغان إلى فرض عقوبات على حكومة الأقلية البيضاء هناك، في الغالب على مضض بسبب العلاقات “الطبيعية” الوثيقة بين الطرفين.

الرئيس الأمريكي رونالد ريغان كان دان في عام 1986 حزب المؤتمر الوطني الإفريقي الذي يتزعمه نيلسون مانديلا، وكان حينها يقبع في سجنه الطويل الذي استمر لمدة 27 عاما من عام 1962 إلى عام 1990، وقال إنه متورط في “إرهاب محسوب.. وتفخيخ الطرق، والقيام بتفجيرات في الأماكن العامة، والتي تنفذ من أجل التسبب في المزيد من أعمال القمع”.

وحين اعلن نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، حزب المؤتمر الوطني الإفريقي، مجموعة إرهابية، اقتدت به إدارة الرئيس ريغان، وفي أغسطس من عام 1988 أدرجت وزارة الخارجية الأمريكية حزب مانديلا ضمن “المنظمات التي تشارك في الإرهاب”.

بعد مرور 5 أشهر، أدرجت وزارة الدفاع الأمريكية في يناير عام 1989، حزب المؤتمر الوطني الإفريقي ضمن 52 “جماعة إرهابية هي الأكثر شهرة في العالم”، كما وجه البنتاغون اتهامات مختلفة أخرى بممارسة العنف وبتلقي أسلحة من الكتلة السوفيتية، وانه أيضا يسعى إلى إقامة حكومة اشتراكية متعددة الأعراق في جنوب إفريقيا.

الولايات المتحدة مارست مبكرا سياسة انتهازية تجاه نيلسون مانديلا وقادة حزب المؤتمر الإفريقي الآخرين، لا سيما أن كل المؤشرات كانت تدل على أن مانديلا سيصل السلطة وستطوى صفحة نظام الفصل العنصري الكريهة، ولذلك عقب تقرير البنتاغون السلبي، وصفت الحكومة الأمريكية بدورها، حزب مانديلا بأنه “منظمة متنوعة سياسيا، تمثل مجموعة من الآراء. إنها أقدم حركة قومية سوداء في جنوب إفريقيا”.

استمر هذا الحال رسميا من دون تغيير ما تسبب في مواقف محرجة للحكومة الأمريكية. وخلال العام الأخير من إدارة جورج بوش الابن في ابريل عام 2008، أبلغت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس، لجنة في مجلس الشيوخ بأن وزارتها مضطرة إلى إصدار إعفاءات لأعضاء حزب المؤتمر الوطني الإفريقي للسفر إلى الولايات المتحدة، لافتة إلى أن التشريعات السائدة تضعها في موقف محرج للغاية، وتجعلها ترفض منح تأشيرات “لوزير خارجية جنوب إفريقيا، ناهيك عن الزعيم العظيم نيلسون مانديلا”.

في وقت لاحق من ذلك العام، جرى إسقاط التصنيف الإرهابي عن حزب المؤتمر الوطني الإفريقي بعد مشروع قرار اقترحه حينها السيناتور جون كيري، وقد أقر في مجلسي الكونغرس، الشيوخ والنواب، ووقعه الرئيس بوش.

تقدموا الأمريكيون والبريطانيون الصفوف لاستقبال نيلسون مانديلا، أقدم السجناء السياسيين، والمقاتل العنيد ضد نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا وكأن شيئا لم يكن، واصفين إياه وهو لا يزال يعد في ووثائقهم إرهابيا، بالبطل العظيم، وتناسوا أيضا أن الاستخبارات الامريكية والبريطانية كانتا ساهمتا في اعتقال مانديلا عام 1962 والزج به في غياهب السجون لنحو ثلاثة عقود من الزمن.

مانديلا لم يتغير ولم يحد عن مبادئه إلى أن توفى في عام 2015، وظل حتى الرمق الأخير يقول عن نفسه: “طوال حياتي كرست نفسي بالكامل للنضال من أجل السكان الأفارقة. قاتلت ضد كل من التفوق الأبيض والتفوق الأسود. لقد كرمت المثل الأعلى لمجتمع ديمقراطي وحر يعيش فيه جميع المواطنين في وئام ويتمتعون بفرص متساوية. هذا هو المثل الأعلى الذي أنا مستعد للعيش من أجله والسعي من أجله. ولكن إذا كان ذلك ضروريا، فأنا مستعد للموت من أجل هذا المثل الأعلى”.

المصدر: RT